يوسف بن تغري بردي الأتابكي

343

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

فلما كانت الليلة الثانية مات منهم ثلاثون إنسانا وأصبحوا فإلى أن يأخذوا في دفنهم مات منهم ثمانية عشر قال واتفق أن إقطاعا بالحلقة تنقل في أيام قليلة إلى تسعة نفر كل منهم يموت ومن كثرة الشغل بالمرضى والأموات تعطلت الأسواق من البيع والشراء وتزايد ازدحام الناس في طلب الأكفان والنعوش فحملت الأموات على الألواح وعلى الأقفاص وعلى الأيدي وعجز الناس عن دفن أمواتهم فصاروا يبيتون بها في المقابر والحفارون طول ليلتهم يحفرون وعملوا حفائر كبيرة بلغ في الحفرة منها عدة أموات وأكلت الكلاب كثيرا من أطراف الأموات وصار الناس ليلهم كله يسعون في طلب الغسال والحمالين والأكفان وترى النعوش في الشوارع كأنها قطارات جمال لكثرتها متواصلة بعضها في إثر بعض انتهى كلام المقريزي ثم في يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة المذكورة جمع الشريف شهاب الدين أحمد كاتب السر بالديار المصرية بأمر السلطان أربعين شريفا اسم كل شريف منهم محمد وفرق فيهم من ماله خمسة آلاف درهم وأجلسهم بالجامع الأزهر فقرؤوا ما تيسر من القرآن الكريم بعد صلاة الجمعة ثم قاموا هم والناس على أرجلهم ودعوا الله تعالى وقد غص الجامع بالناس فلم يزالوا يدعون الله حتى دخل وقت العصر فصعد الأربعون شريفا إلى سطح الجامع وأذنوا جميعا ثم نزلوا وصلوا مع الناس صلاة العصر وانفضوا وكان هذا بإشارة بعض الأعاجم وأنه عمل ذلك ببلاد الشرق في وباء حدث عندهم فارتفع عقيب ذلك ولما أصبح الناس في يوم السبت أخذ الوباء يتناقص في كل يوم بالتدريج حتى انقطع غير أنه لما نقلت الشمس إلى برج الحمل في يوم ثامن عشر جمادى الآخرة المذكورة ودخل فصل الربيع وأخذ الطاعون يتناقص غير أنه فشا الموت من يومئذ في أعيان الناس وأكابرهم ومن له شهرة بعد ما كان أولا في الأطفال